عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

265

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

المحققين على نفسه فقد ناب عن محمد صلّى اللّه عليه وسلم في مقام النبوّة ، ومن يهدي إلى اللّه تعالى كساداتنا الكمل من المشايخ فقد ناب عنه في مقام الرسالة ، ولا يزال هذا الدين قائما ما دام على وجه الأرض واحد من هذه الطائفة ، لأنهم خلفاء محمد صلّى اللّه عليه وسلم يذبون عن دينه كما يذبّ الراعي عن الغنم ، فهم إخوانه الذين أشار إليهم بقوله : واشوقاه إلى إخواني الذين يأتون من بعدي الحديث فهؤلاء أنبياء لا أولياء ، يريد بذلك نبوّة القرب والإعلام والحكم الإلهي لا نبوة التشريع ، لأن نبوّة التشريع انقطعت بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فهؤلاء منبئون بعلوم الأنبياء من غير واسطة . ثم اعلم أن الولاية عبارة عن تولي الحق سبحانه وتعالى عبده بظهور أسمائه وصفاته عليه علما وعينا وحالا وأثر لذّة وتصرفا ، ونبوّة الولاية : إرجاع الحق العبد إلى الخلق ليقوم بأمورهم المصلحة لشئونهم في ذلك الزمان على شرط الحال ، فيدبر الخلق بحاله ويجرّهم إلى ما هو الأصلح لهم ، فمن دعا الخلق منهم إلى اللّه تعالى قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلم كان رسولا ، ومن بعد محمد صلّى اللّه عليه وسلم كان خليقة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لكنه لا يستقل في دعواه بنفسه ، بل يكون تبعا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم كمن مضى من ساداتنا الصوفية ، مثل أبي يزيد والجنيد والشيخ عبد القادر ومحيي الدين بن العربي وأمثالهم رضي اللّه عنهم ، ومن لم يدع إلى اللّه تعالى بل وقف مع تدبير أمور الخلق على حسب ما ينبئه اللّه تعالى عن أحوالهم فهو نبيّ نبوّة ولاية ثم هذا إذا كان على طريق مستقلة من غير اتباع لمن قبله فهو نبيّ نبوّة تشريع ، وقد انسد بابها بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فظهر من هذا جميعه أن الولاية اسم للوجه الخاص الذي بين العبد وبين ربه ، ونبوّة الولاية اسم للوجه المشترك بين الخلق والحق في الوليّ ، ونبوّة التشريع اسم لوجه الاستقلال في متعبداته بنفسه من غير احتياج إلى أحد ، والرسالة اسم للوجه الذي بين العبد وبين سائر الخلق . فعلم من هذا أن ولاية النبيّ أفضل من نبوّته مطلقا ، ونبوّة ولايته أفضل من نبوّة تشريعه ، ونبوّة تشريعه أفضل من رسالته ، لأن نبوّة التشريع مختصة به ، والرسالة عامة بغيره ، وما اختص به من التعبدات كان أفضل مما تعلق بغيره ، فإن كثيرا من الأنبياء كانت نبوّته نبوّة ولاية ، كالخضر في بعض الأقوال ، وكعيسى إذا نزل إلى الدنيا فإنه لا يكون له نبوّة تشريع وكغيره من بني إسرائيل ، وكثير منهم لم يكن رسولا بل كان نبيا مشرّعا لنفسه ، ومنهم من كان رسولا إلى واحد ، ومنهم من كان رسولا إلى طائفة مخصوصة ، ومنهم من كان رسولا إلى الإنس دون الجن ، ولم يخلق اللّه رسولا إلى الأسود والأحمر والأقرب والأبعد إلا